المقريزي

328

درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )

الدّولة ، والمعرفة التامة بالأحكام ، والشّدّة على أرباب الجاهات من الأمراء والوزراء ونحوهم ، حتى صارت محبته ديانة ورؤيته عبادة ، لما اجتمع فيه من خلال الخير وصفات الكمال ، فتراه متواضعا مع الفقراء ، مكرما للفقهاء وأرباب الفضائل ، مقرّبا لهم ، مبادرا لإزاحة أعذارهم وقضاء أشغالهم حتى أنه ليسعى بنفسه عند من تتعلّق به أشغالهم ، بحيث أنّ شخصا شكى له ضرورة نزلت به من يهوديّ صيرفي عند بعض الأمراء ، فركب وحده البغلة ، ومضى إلى دار اليهودي نهارا وطرق بابه ، فخرجت له امرأة فقال لها : قولي لفلان قاضي القضاة على الباب يطلبك ، فخرج اليهودي وقد كادت روحه تزهق ، فانكبّ يقبّل حوافر البغلة ، وهو يطيّب خاطره حتى سكن روعه ، فأعلمه بالقضيّة التي للرجل ، فقضاها على أتم الوجوه وقد كان يكفي في قضائها أن يطلبه ويأمره فلا يخالفه أبدا ، إلا أنه كان يريد إتمام المعروف وإيصاله لمن يرومه منه على أكمل الحالات . وله من هذا المعنى كثير . وبلغ من تواضعه أنّه جمع الفقهاء مرة على طعامه فباتوا عنده ، فلما كان الليل قام وهم نيام إلى الكنيف فغسله بيده حتى أنقاه ، فعثر به بعض الزامه الخواص وهو يباشر ذلك ، فقال : يا مولانا كان الخدم يفعلون هذا ، ولا تحتاج أنت إلى فعله ، فقال له : أنا أعرف أنهم كانوا يفعلونه لكن علمت أنّ الجمع عندنا موفور وخشيت أنّ الخدم يشتغلون بهم ، فكنست الكنيف بيدي ونظفته حتى لا يتسخّطوا بالجماعة . هذا تواضعه مع أنه كان إذا دخل على الأمير يلبغا ، وناهيك به عظمة ، فعند ما يراه يثب ويعدو عدوا سريعا حتى يلقاه على بعد ويقبّل يده ويعضده حتى يجلسه في مرتبيّته ويجثو بين يديه على غاية من التأدب . وكذلك كانت حالته مع الملوك . وسدّ في طول ولايته أبواب الرّتب كلها ، فلم تكن مسألة استبدال الأوقاف تعرف في أيامه ، ولا عرف عنه ولا عن أحد من نوابه أنه أتى أمرا احتاج فيه إلى أن يعتذر عنه ، فدانت له الكافة وخضع له العدو ،